الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
أعلام الأحساء من تراث الأحساء
 
حظُّ النفس في المعصية ظاهرٌجليّ وحظُّها في الطاعة باطنٌ خفي ومُداواةُ مايَخفَى صَعبٌ علاجُه

لَقِيَ المسلمون من المشركين في مكَّةَ أذىً شديداً، فجاء جماعةٌ من الصحابة الكرام، فيهم سيدُنا عبدالرحمن بن عوف وسعدُ بن أبي وقَّاص والمقدادُ بن الأسود وغيرهم رضي الله عنهم، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبيَّ الله، كُنَّا في عزٍّ ونحن مشركون، فلما آمنَّا صِرْنَا أذلةً!!! فاستأذَنوه في القتال، فأجابَهم صلوات ربِّي وسلامه عليه: (إني أُمِرْتُ بالعفو، كُفُّوا أيديَكم وأقيموا الصلاة وآتُوا الزكاة، فلا تُقاتلوا القوم) فلمَّا حوَّله الله إلى المدينة المنوَّرة، أَمَرَهُ بالقتال، قال مجاهد: أولُ مَن أظهر الإسلامَ سبعةٌ: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمار وسمية أم عمار، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمَنَعَه أبوطالب، وأما أبو بكر فمَنَعَه قومُه، وأما الآخرون فأخذوهم فألبسوهم أَدْرعَ الحديد، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغَ منهم الجهدُ كلَّ مَبلغ مِن حَرِّ الحديد والشمس، وقَتَلَ أبوجهلٍ سميةَ، بعد أن عذَّبها رضي الله عنها. وعذَّبوا بلالا، فكان أبوجهل يُخرجه إلى الرمضاء بمكة إذا حَمِيَت، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ويقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلالٌ: أحدٌ أحدٌ، فبعث أبو بكرٍ رجلا وقال له: اشتر لي بلالا، فاشتراه ثمَّ أعتقه رضي الله عنهما، فلعلَّ الله جازاه على "أحدٌ أحدٌ" بولاية الأذان المشتمل على التوحيد، وهكذا فقد يَبتلي اللهُ عبدَه تمحيصاً وتطهيراً، وربما كان في ذلك إبْرازٌ لِصِدْقِ العبد في دعواه أنَّه يُحبُّ الله تعالى، فلولا الدعوى ما وقع البلاء، ومن أجل هذا كان الأنبياءُ عليهم السلام أشدَّ الناس بلاءً، ثم إنه قد بلغ مِن إساءة المشركين، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي عند الكعبة، فرآه بعضُ كفار قريش، وبينهم أبو جهل وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أَبي معيط، فقام أحدُهم فأتى بِفَرْثِ جزورٍ وَدَمِها وَسَلاهَا، فوضعه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد! ثم ضحكوا حتى مالَ بعضهم على بعضٍ من الضحك، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَهلَكوا في معركة بدر، وأُلْقوا في قَلِيبِ بئرٍ مُنْتِنَة، ويُلاحظ أنَّ مِن حكمةِ الله تعالى أنَّه لم يَشرَع الجهادَ إلا في شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة، أي بعد الهجرة بسنةٍ، كما نَبَّهَتْ على ذلك كُتُب السيرة النبوية، فبقيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة يعلِّم الناس أحكام دينَهم، ويَفرضُ عليهم ضبط نفوسهم، وضبطُها أشدُّ عليها مِن الإذْن لها بالقتال انتصارا لها، فجهاد النفوس أصعب عليها من الجهاد بالسيف، فإنَّ للنفوس سَوْرَةً يَصعُبُ كَبْحُها، وهكذا نَدَبَ اللهُ عبادَه إلى الصبر على ما سيسمعون وعلى ما سيَلْقَون، وأخبَرهم أن صَبْرَهم مِن عزم الأمور، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) ولعل في هذا تربيةً لنفوس الصحابة الكرام وتهذيباً لها، لتصفوا قلوبُهم، فإذا صَفَتْ وارتاضَتْ على الهمم العالية، فإنها ستكون على حالٍ عظيمة من التَّحمُّل للشدائد، وهذا هو أعظم أنواع الجهاد، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (والمجاهد مَن جاهد نفسَه في طاعة الله عز وجل) فجهادُ النفس أصلٌ في جهاد العدوِّ باتِّفاق الفقهاء، أما جهاد الحرب ففرْعٌ عليه، لئلا يكون للانتصار للنفس أثرٌ في نفوسهم حين يُقاتِلون، وآيةُ ذلك أنَّه إذا حمِيَ الوطيسُ واشتدَّ القتال، فإنَّك لن تجد في نفوس المسلمين حقداً ولا ضغينةً ولا فجوراً في الخصومة، فإذا انتهت المعركة وعادوا إلى بلادهم، فإنهم لا يعودون بنفوسٍ ثائرةٍ عَطْشى للاقتتال، كما هو الحال بين كلِّ مختَلِفَين أو متقاتلَين، تتلاعبُ بهم حُظوظ النفس، ذلك أنه إذا كان حظُّ النفس في المعصية ظاهراً وجليّاً، فإن حظَّها في الطاعة باطنٌ وخفيٌّ، ومُداواةُ ما يَخفَى صَعبٌ علاجُه، كما قال ابن عطاء الله رحمه الله، وهو موضوع المقال اللاحق إن شاء الله تعالى.

الأحد 9 شهر ربيع الثاني 1435 - 9 فبراير (شباط) 2
http://www.alyaum.com/News/art/120217.html