الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
أعلام الأحساء من تراث الأحساء
 
عِدَّةُ المطلقة التي انقطع عنها الدم

اقتضتْ حكمة التشريع أنْ تقضي المرأةُ زمناً مقدَّراً، بحيث ينتهي بانتهائه جميعُ ما بقيَ من آثار عقد الزوجية، ويُسمَّى هذا الزمن “العِدَّة” فهو زمنٌ قدَّرهُ اللهُ لكلِّ مَن فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو خُلعٍ أو وفاة، وهذا إذاكانت قد تزوَّجت ودخل بها زوجُها، أما التي تزوَّجتْ، ثم طلَّقها زوجُها قبل أنْ يدخل بها، فهذه لم يفرض اللهُ عليها عِدَّة، لا خلاف بين الفقهاء في ذلك، قال تعالى: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)

فإذا فارَقتْ المرأةُزوجَها بطلاقٍ أو بخُلْع أو بوفاته، فإن عليها أنْ تُـحْصي هذا الزمن، حتَّى إذا انتهى، فقد انتهتْ الصِّلةُ بينها وبين زوجها، فجازَ لها أن تتزوَّج بغيره .

والمطلَّقةُ التي انقطع عنها الدَّمُ لِكِبَر، ولم تكن حاملا، فإنَّ عدَّتَها ثلاثة أشهر:

فإن وقع طلاقُها في أول يوم في الشهر،قبل الفجر:

فإن عليها أنْ تحسب يوم الطلاق، فتجعلُه أوَّل أيام العدَّة، لأن الليلة الماضية قد أدركَتْها بإدراك جزء منها، فتعتدُّ بالأهلة، كاملة كانت أو ناقصة، لأن الشهر في الشرع ما بين الهلالين .

وعليه: فتحلُّ برؤية هلال الشهر الرابع.

أما إن حصل الطلاق أوَّل يوم في الشهر، بعد طلوع فجره، أي أثناء الشهر:

فعليها أن تحتاط، فتُلغي يوم الطلاق، فلا تحسبه من عدَّة الأَشْهُر احتياطاً، لأن جزءَ اليوم ليس يوماً .

ثم تنظُر:

أ- فإن كان هذا الشهر الذي حصل الطلاق أثناءه كاملاً (٣٠يوما):

فعليها أن تأخذ من الشهر الرابع أيامًا بعدد الأيام التي مضت من الشهر الذي طلُقَتْ فيه، وتزيد يوماً واحداً بدل اليوم الملْغَى .

مثال ذلك: إن طلَّقها زوجُها صباح أوَّلِ يومٍ في الشهر، فجاء الشهرُ كاملا (٣٠يوما) فإنها تزيد يوماً واحداً، بدل اليوم الذي ألغَتْه، تأخذه من الشهر الرابع، فتنتهي عدَّتُها بغروب شمس اليوم الأول من الشهر الرابع، وأما الشهر الثاني والثالث فتعتبرهما بالأهلة، سواء كانا كاملين أو ناقصين، أو كان بعضها ناقصا، لأن الشهر في الشرع ما بين الهلالين .

مثال آخر: إن طلَّقها صباح خامس يومٍ في الشهر، فجاء الشهرُ كاملا (٣٠يوما) فإن عدَّتَها تنتهي بغروب شمس اليوم الخامس من الشهر الرابع .

ب -وإن كان هذا الشهر الذي حصل الطلاق أثناءه ناقصا (٢٩يوماً):

فعليها أن تأخذ من الشهر الرابع أيامًا بعدد الأيام التي مضت من الشهر الذي طلُقَتْ فيه، وتزيد يوماً بدل اليوم الملْغَى، وتزيد كذلك يوماً آخرَ، تكمل به الشهر ثلاثين يوما، لأنَّنا قدَّرْنا عدَّة هذا الشهر الأول بالأيام احتياطاً .

مثال ذلك: إن طلقتْ صباح اليوم الأول بعد الفجر، فجاء الشهر ناقصا (٢٩يوما) فإنها تزيد يوماً واحداً، بدل اليوم الذي ألغَتْه، ويوماً آخر تتمّ به الشهر ثلاثين يوما، وأما الشهر الثاني والثالث فتعتبرهما بالأهلة لا بعدد الأيام، سواء كانا كاملين أو ناقصين، فتنتهي عدَّتُها بغروب شمس اليوم الثاني من الشهر الرابع .

مثال آخر: إن طلقتْ صباح اليوم الخامس، فجاء الشهر ناقصا (٢٩يوما) فإن عدَّتَها تنتهي بغروب شمس اليوم السادس من الشهر الرابع .

عِدَّةُ المتوفَّى عنها زوجُها

اقتضتْ حكمة التشريع أنْ تقضي المرأةُ زمناً مقدَّراً، بحيث ينتهي بانتهائه جميعُ ما بقيَ من آثار عقد الزوجية، ويُسمَّى هذا الزمن “العِدَّة” فهو زمنٌ قدَّرهُ اللهُ لكلِّ مَن فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو خُلعٍ أو وفاة، وهذا إذاكانت قد تزوَّجت ودخل بها زوجُها، أما التي تزوَّجتْ، ثم طلَّقها زوجُها قبل أنْ يدخل بها، فهذه لم يفرض اللهُ عليها عِدَّة، لا خلاف بين الفقهاء في ذلك، قال تعالى: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)
فإذا فارَقتْ المرأةُ زوجَها بطلاقٍ أو بخُلْع أو بوفاته، فإن عليها أنْ تُـحْصي هذا الزمن، حتَّى إذا انتهى، فقد انتهتْ الصِّلةُ بينها وبين زوجها، فجازَ لها أن تتزوَّج بغيره .
فالعِدَّةُ للمتوفَّى عنها زوجُها أربعةُ أشهر وعشرة أيام بلياليها .
فتبدأ عدَّتُها من يوم وفاة زوجها، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ولا يُشتَرَط علمُها بوفاة زوجها، فالعدَّةُ تبدأُ من لَحظة الوفاة، وليس مِن وقْتَ العلْمِ بوفاته، واستنادا لذلك، فلو لم تعلم المرأةُ بوفاته إلا بعد أربعة أشهر وعشرا، فقد انتهت عدَّتها، ولا يلزمها استئنافُ عدَّة أخرى .
ثم إن الوفاةَ قد تقع قبل الفجر، وقد تقع بعد الفجر، فلها حالان:
الحال الأول: إنْ حصلتْ الوفاةُ قبل فجر أوَّل يوم في الشهر:
فإن عليها أنْ تحسب يوم الوفاة، أي أنْ تجعله أوَّل أيام العدَّة، لأن الليلة الماضية قد أدركَتْها بإدراك جزء منها، فتعتدُّ بالأهلة، سواءٌ أكانت الشهور كاملة أو ناقصة، فالشهر في الشرع ما بين الهلالين .

وعليه: فتنتهي عدَّتُها بغروب شمس اليوم العاشر من الشهر الخامس .

الحال الثاني: أما إن حصلتْ الوفاةُ بعد الفجر، أي أثناء الشهر، سواءٌ توفِّيَ بعد طلوع فجر أوَّلِ يومٍ في الشهر، أو بعد ذلك:
فعليها أن تحتاط، فتُلغي اليوم الذي توفِّي فيه (بعد الفجر) فلا تحسبه من أيام العدَّةَ .
ثم تنظُر:
أ- فإن كان هذا الشهر الذي حصلت الوفاةُ أثناءه كاملاً (٣٠يوما):
فعليها أن تأخذ من الشهر الخامس أيامًا بعدد الأيام التي مضتْ من الشهر الذي توفي فيه، ثم تزيد يوماً بدل اليوم الذي ألْغَتْه (وإنما تلغيه إذا توفِّيَ نهارا) وبهذا تكون قد أتمَّتْ أربعة أشهرٍ وعشرة أيام .

مثال ذلك: إذا توفِّيَ زوجُها بعد فجر أوَّل يومٍ من الشهر، فجاء الشهرُ كاملا (٣٠يوما) فإنها تزيد يوماً واحداً، بدل اليوم الذي ألغَتْه، تأخذه من الشهر الخامس، فتحلُّ بغروب شمس اليوم الحادي عشر من الشهر الخامس، وأما الشهر الثاني والثالث والرابع فتعتبرها بالأهلة، سواء أكانا كاملين أو ناقصين، أو كان بعضها ناقصا، لأن الشهر في الشرع ما بين الهلالين .
مثال آخر: إذا توفِّيَ بعد فجر خامس يومٍ من الشهر، فإنها تلغي اليوم الخامس، لأنه توفِّي فيه نهاراً، وتزيد يوماً واحداً، بدل هذا اليوم الذي ألغَتْه، فتأخذه من الشهر الخامس، فتحلُّ بغروب شمس اليوم الخامس عشر من الشهر الخامس .
ب -وإن كان هذا الشهر الذي حصلت الوفاةُ أثناءه ناقصا (٢٩يوماً):
فعليها أن تأخذ من الشهر الخامس أيامًا بعدد الأيام التي مضتْ من الشهر الذي توفِّيَ فيه، وتزيد يوماً بدل اليوم الملْغَى، وتزيد كذلك يوماً آخرَ، تكمل به الشهر ثلاثين يوما، لأنَّنا قدَّرْنا عدَّة هذا الشهر الأول بالأيام، احتياطاً، بخلاف الشهر الثاني والثالث، فيقدَّران بالأهلَّة .

مثال ذلك: إن توفِّيَ زوجُها صباح اليوم الأول، فإنها تزيد يوماً واحداً، بدل اليوم الذي ألغَتْه، ويوماً آخر تُتمُّ به الشهر ثلاثين يوما، وأما الشهر الثاني والثالث والرابع، فتعتبرها بالأهلة لا بعدد الأيام، سواء أكانا كاملين أو ناقصين، فتحلُّ بغروب شمس اليوم الثاني عشر من الشهر الخامس .
مثال آخر: إن توفِّيَ زوجُها صباح اليوم العاشر، فإن عدَّتها تنتهي بغروب شمس اليوم الحادي والعشرين من الشهر الخامس .

عِدَّةُ المطلَّقة

اقتضتْ حكمة التشريع أنْ تقضي المرأةُ زمناً مقدَّراً، بحيث ينتهي بانتهائه جميعُ ما بقيَ من آثار عقد الزوجية، ويُسمَّى هذا الزمن “العِدَّة” فهو زمنٌ قدَّرهُ اللهُ لكلِّ مَن فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو خُلعٍ أو وفاة، وهذا إذاكانت قد تزوَّجت ودخل بها زوجُها، أما التي تزوَّجتْ، ثم طلَّقها زوجُها قبل أنْ يدخل بها، فهذه لم يفرض اللهُ عليها عِدَّة، لا خلاف بين الفقهاء في ذلك، قال تعالى: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)
فإذا فارَقتْ المرأةُزوجَها بطلاقٍ أو بخُلْع أو بوفاته، فإن عليها أنْ تُـحْصي هذا الزمن، حتَّى إذا انتهى، فقد انتهتْ الصِّلةُ بينها وبين زوجها، فجازَ لها أن تتزوَّج بغيره .
فالمطلَّقة، إنْ لم تكن حاملاً، ولم تكن ممن انقطع عنها الدم، فإنَّ عدَّتَها ثلاثةُ أطهار:
فتبدأُ عدَّتُها من يوم طلاقها، قال تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) قالت أُمُّنا عائشةُ رضي الله عنها: ( إنما الَأْقراءُ الأطهار)

ولا يُشتَرَط عِلْمُ الزوجة بأنَّ زوجها قد طلَّقها، فالعدَّةُ تبدأُ من لَحظة وقوع الطلاق، وليس مِن وقْتَ العلْمِ به، واستنادا لذلك، فلو لم تعلم المرأةُ بطلاق زوجها لها، إلا بعدثلاثة أطهار، فقد انتهت عدَّتُها، ولا يلزمها استئنافُ عدَّةٍ أخرى .
ثم إنَّ الطلاقَ قد يقع في زمن طهرٍ وقد يقعُ في زمن حيض:
فإذا وقع الطلاقُ في حال طهرها:
فإنها تجعل هذا الطُّهْرََ أوَّلَ قُرْءٍ لها، سواءٌ وقع في أول الشهر أو في أوسطه أو في آخره، ولو وقعَ قَبْلَ الحيض بلَحْظة، ثم تَعدُّ بعد هذا الطهر ثلاث حيضات، فتَكتملُ الأطهار الثلاثة بأوَّل الحيضة الثالثة، فبنزول أول قطرة دم تنتهي عدَّتُها، لأن الأصل والغالب أنَّه حيضٌ، لأنَّ الدَّمَ إذا نزل فالأصل فيه أنه يستمرُّ، ولا ينقطع .
لكن لـمَّا كان الدَّمُ قد ينقطع -وهذا نادر- أي ينزل دفعةً واحدة ثم ينقطع، فيُسْتحبُّ لها أن تنتظر يوماً أو بعض يومٍ، احتياطاً لبراءة الرحم .
ذلك أنَّ انقطاع الدم يفيد أنَّه ليس حيضا، فالحيض في باب العدَّة هو ما ينزل ويستمر بعض اليوم، أما الحيض في باب العبادة فالدفعة منه تُعدُّ حيضاً .
أما إن وقع الطلاقُ في حال حيضٍ أو نفاس، فتحلُّ بأول الحيضة الرابعة، لأنَّ الطُّهرَ الثالثَ يتمُّ برؤية الحيضة الرابعة .

فقه الحاج موسى

الحاج موسى الخالص «رحمه الله» رجلٌ مقدسي المولد والنشأة، عزيز الجانب شريف النفس، بلغ من العمر مِائةً وعشر سنين، لم تَزدْهُ سنوات الاحتلال الصهيوني إلا صلابة وثباتا، هذا الشيخ يمثِّل الرَّعيل الأول من المرابطين في فلسطين، فبيت المقدس أجلُّ الثغور، والرباط في الثغور بالسكنى فيها تكثيراً لسوادها عبادةٌ من أجلِّ العبادات، والرِّباطُ أن يترك الإنسانُ بلد نشأته ويلزَمُ ثغراً من الثغور لقصْد الحراسة وتكثير سواد المسلمين، فما أعظم فضْل الرباط في ثغر القدس الشريف، وقد جرتْ عادة كثير من الأولياء والصالحين أنْ يرابطوا، وكثير منهم رابطَ في بيت المقدس كالإمام أبي بكر الطرطوشي «رحمه الله» وغيره، فقد روى أَبو داود والترمذي (كلُّ ميِّت يُختمُ على عمله، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه يُنمَّى له عملُه إلى يوم القيامة، ويَأمنُ من فتنة القبر) فيُنَمَّى له عملُه أي أن أعماله التي يعملها قبل وفاته تَجري عليه بعد موته، وكأنه لا يزال يعملها، وهذه فضيلة مختصَّةٌ به .
هذا الشيخ الهرِم البسيط في تعليمه، يملك دكانا قرب باب السِّلْسِلَة بالرواق الغربي للمسجد الأقصى، ومساحة هذا الدكان قد لا تزيد عن عشرة أمتار، يَطلب في هذا الدكان الرزق من الله، ويحتسب أجر الرِّباط، وفي أحد الأيام زاره أحد السماسرة من اليهود، يساومه على شراء دكَّانِه، فسأله أنْ يبيعه الدكان، وعرض عليه ثلاثمِائة ألف دولار، فأبى أنْ يبيع وطلب المزيد، فعرض السمسارُ عليه ضعفَها، فردَّ الحاج موسى بلهجته المقدسية: «إنَّها لا تساوي شمَّةَ سُعوط» –والسُّعوط هو ما يُدخله المرءُ في أنفه من دواء أو رائحة يَشمُّها- فما كان من السمسار إلا أنْ عرض عليه شيكاً مفتوحاً، ليكتب المبلغ الذي يريد، فردَّ الحاج موسى بأن المبلغ لا يزال قليلاً، فعجب السمسار وقال: وماذا بعد الشيك المفتوح! أجابه الحاج موسى: تأخذ ورقةً ويُمضي عليها جميعُ المسلمين من رجال ونساء وأطفال، فإذا وقَّعوا عليها بالموافقة على بَيعي للدكان، فأنا أعطيك الدكان مجاناً .
هذا الرُّجل فَقِهَ أنّ فلسطين ليست مِلكاً لفرد ولا لأفرادٍ من المسلمين، بل لا يجوز لسكانها أن يَنفردوا مِن دون المسلمين بالتنازل عنها، ولا بالإذن ببيع شبرٍ منها، فضلاً عن أن يربط مصيرها بفرد أو منظمة أو دولة لتكون الممثل الشرعي لها، وهذا هو معنى ما رواه ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سِلْمُ المؤمنين واحدةٌ، لا يُسالِمُ مؤمنٌ دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواءٍ وعدلٍ بينهم )
هذا الجواب هو الفقه في الدين، من رجلٍ بسيط ينتمي للمسجد، فلم يكن منتسبا لحزب ولا منتمياً إلى جماعة، وإنما كان غراس مدرسة المسجد التي لا تدعو لحقد ولا ضغينة ولا إساءةٍ لأحد، كما أنها لا تورث انكساراً ولا خضوعا لأحد، غراسُ مدرسةٍ تغذِّي في النفسِ إباء وشموخاً، وتجعل القلب يفيض حبَّاً في دلالة الناس إلى الخير، إنها مدرسةٌ تنشر فكراً حيَّاً تُبنى به المجتمعات وعليه تقوم الحضارات، وتقضي على الأفكار الميِّتة التي تفتِك بالمجتمع، تلك الأفكار التي تزرع فيه جرثومة الفساد ومعدن الذِّلَّة والصَّغار، وقديما قيل:
يَهُونُ عَلَينا أن تُصابَ جُسومُنا وتَسلَمُ أعراضٌ لَنا وعُقولُ
فهذا الرُّجل فَقِهَ أنّ فلسطين ليست مِلكاً لفرد ولا لأفرادٍ من المسلمين، بل لا يجوز لسكانها أن يَنفردوا مِن دون المسلمين بالتنازل عنها، ولا بالإذن ببيع شبرٍ منها، فضلاً عن أن يربط مصيرها بفرد أو منظمة أو دولة لتكون الممثل الشرعي لها، وهذا هو معنى ما رواه ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سِلْمُ المؤمنين واحدةٌ، لا يُسالِمُ مؤمنٌ دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواءٍ وعدلٍ بينهم ) وهو دليلٌ على تَقْوَى الرَّجُل، فالتّقوى ملاك كلِّ خير كما قال الله تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) فمن يتَّقي الله يجعل في قلبه فرقانا وفيصلا يفصل به بين الحق والباطل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً) إنَّ فرقاً كبيراً بين أمثال الحاج موسى الذين يبتغون رزق الله بالحلال، فلا يأكلون إلا طيِّباً وبنفسٍ أبيَّة، ويعودون لأهلهم بما يكفيهم ويُعِفُّهم، وبين مَن عافَ طيِّبَ الرزق وتخلَّى عن تكريم الله له (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) فباعَ ضميره ووطنه، وأكل كما تأكل الأنعام . إنَّ أمَّةً لا تُفرِّق بين الحلال والحرام، وتَستوي عندها الذِّلَّةُ بالإباء والتِّبْرُ بالتراب، حقيقٌ بها أنْ تُنتهك حُرُماتُها، وأنْ تُهضم في حقوقُها، وأنْ تعيش ذليلة بمؤخِّرة الركب .

ما تفعله المرأةُ المعتدَّةُ من وفاة

بسم الله الرحمن الرحيم
ما تفعله المرأةُ المعتدَّةُ من وفاة
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ، وعلى آله ، وصحبه ، ومن والاه .
وبعد فيجب على المطلَّقة طلاقا بائناً، وكذا المتوفَّى عنها زوجُها، أن تسكن في بيتها، فلا يجوز لها الانتقال خارج منزلها، إلا إذا كان دفعها لذلك سببٌ قاهر، كالخوف مِن جار سوء ، أو حصول خوفٍ ووَحْشةٍ عليها في بيتها، بسبب انتقال الجيران، أو سقوط منزل، ارتفاع أجرة المنزل، وعجزت عن سدادها، ولها كذلك المبيت في المستشفى إذا احتاجت لجراحة ونحوها .
أما الخروج من المنزل لقضاء حوائجها، فلها أنْ تخرج من بيتها في الوقت الذي ينتشر الناس فيه وهو النهار، أما الليل فلا تخرج فيه،ولها أنْ تخرج في أطراف النهار إذا كانت الطرقات مأمونة، كما هو الحال بعد المغرب، فالمدار على الوقت الذي ينتشر فيه الناس، فتخرج لتحصيل رزقها، ولها الذهاب إلى عملها إنْ كانت موظفة، ولها الخروج لتجارتها مِن بيع وشراء، ولها أن تحضر الأعراس نهارا، كما كانت أعراس الناس في الماضي، أما إذا كان العُرْسُ ليلا، كما هو حال أعراسنا في هذه الأيام، فليس لها الذهاب-فإن كانت في الحداد فلا تتزين-ولها كذلك أنْ تزورَ قراباتها وصديقاتها، وأنْ تذهب للتعزية، ولها حضور الدعوات، والصلاة في المسجد، لكن لا تبيت إلا في بيتها .
أما الإحداد، فهو خاصٌّ بالمتوفَّى عنها زوجها، فلا إحداد على المطلقة ، بائناً كانت أو رجعيَّة ،والإحداد مأخوذ من الحدِّ وهو المنع يقال: حددتَ الرجلَ إذا منعْتَهُ، ومنه الحدود الشرعية، لأنها تَـمنع، ولذا قيل للبَوَّاب حدَّاد ، وهو في اللاصطلاح الشرعيِّ أن تترك المتوفَّى عنها زوجُها الزينةَ، فتترك جميع ما تتزين به النساء ، أما خصالُ الفطرة، فلا تتركها، فيجوز لها تقليم أظفارها وإزالة شعر الإبط والعانة، وكذلك التنظُّف والاغتسال بالماء والصابون والسدر وغيره، وكذلك لها أنْ تمتشط وتدهن جسمها وشعرها بأنواع الزيوت والكريمات، فلا بأس بهذا كلِّه، ما لم يكُنْ فيه طِيبٌ، فيجوز لها كلُّ ما لا زينة فيه .
فالإحدادُ يتضمن الامتناع من كل ما هو زينةفي الملبس:
فتترك الحليَّ، فلا تلبس قرطاً ولا خلخاً ولا سواراً ، ولا خاتما، ولو من حديد .
ولا تلبس ثياباً تتزيَّن بها، كالملابس الملوَّنة، أما التي ليست للزينة، كالملابس البيضاء فيجوز لها لبسها، رقيقها وغليظها، إلا إذا كان الثوب الأبيضُ زينةً، أي إذا لبسَتْهُ تتزين به، فلا يجوز، فالمدارُ في ذلك على عَوَائد الناس،فالعبرة في كونه يُتَّخَذ زينةً في بيئتها، فإذا كان البياضُ زينةَ قومٍ حَرُم عليها لبسه، وكذلك المرأةُ ناصعةُ البياضِ، ليس لها أنْتلبس الملابس السوداء، لأنَّ البياضَ يُبرزُ حُسنها، فهو زينتٌ لها، أما غير البيضاء فيجوز لها لبس الأسود .
غير أنه إذا اضطُرَّتْ إلى لبس ما هو زينةٌ، فلا بأس بذلك، مثل أن يكون الجوُّ شديد البرودة، ولم تجد غيره، جاز لها لبسه .
وكذلك يتضمن الامتناع من كل ما هو زينة في البدن :
فتترك الخضاب والكحل، فلا تكتحل إلا لضرورة، فإنْ اضطُرَّت للتكحُّل بسبب مرضٍ، جاز لها ذلك، على أنْ تضعَهُ في الليل وتمسحْهُ في النهار .
وتجتَنِبُ الحنَّاء والكَتَم ، فهو من الزينة، وقد يكون من الطيب في بعض البلاد .
وكذلك يتضمن الامتناع من كل ما هو طِيْبٌ:
فتجتنب جميع أنواع الطِّيب، مذكَّرَه ومؤنَّثه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه):
فالطيب المذكَّرهو ما ظهر ريحه وخفي لونه، بحيث لا يَعْلَقُ بما يَـمَسُّه مِن ثوبٍ أوجسد، كالياسمين والورد وأنواع الرياحين، فإن الغالب خفاء لونها، فيقال عنه المذكَّر لأن ظهور الرائحة وانتشارها هي المقصود الأعظم منه وليس اللون .
وكذلك تجتنب المؤنث من الطيب، وهو ماظهر لونه، بحيث يَعلَق بما يَـمَسُّه من جسد وثوب، وخفيت رائحته كالزعفران والمسك والكافور،فإنه يُتمتَّع برائحته، غير أنه يقال عنه المؤنث لأن المقصود الأعظم منه ظهور لونه وليس رائحته .
وكذلك ليس لها أنْ تُباشر صناعة العطور والطِّيب، ولا تتاجر فيه، لأن صناعته والمتاجرة فيه تقتضي مَسَّه، ومَسُّهُ في معنى التَّطيبِ به، وإنما يجوز لها التجارةُ في الطيب إذا كانت لا تباشر مسَّهُ بنفسها .
وتجتنب الصابون الذي به طيبٌ تبقى رائحته بعد غسله بالماء، أما الصابون الذي لا تفوح منه رائحة عطرية، وتزول رائحته بالغَسل، فالأمر فيه سهل .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
قيس بن محمد آل الشيخ مبارك

ما جاء في الست من شوال


روى الإمام مسلم في صحيحه عن سعد بن سعيد بن قيس عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر )
هذا الحديث انفرد به سعد بن سعيد، وهو ممن لا يقوى على الانفراد بالمخالفة فيما يَعُمُّ ويُعلم، فمن أجل أنَّه لم يثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل صيامها برمضان، ولا أحد من أصحابه ولا من التابعين، ولم يُصاحبه عملُ أهل المدينة، والعلماءُ متوافرون في المدينة يومَها، فرأى الإمامُ أبو حنيفة ومالكٌ رحمه الله أن تَرْكَ العمل بوصْل الست برمضان يُقوِّي أنَّ المقصود بِذِكْرِ شوال التمثيل، وليس مقصود الحديث تعيين شوال بالصيام، وحين كانت الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان يعدل ثلاثمِائة يومٍ، وستة أيام تعدل ستين يوماً، فكان ذلك بمنزلة صيام السَّنة كلِّها، يستوي في ذلك أن تُصام السِّتُّ في شوال أو في غيره، فالكراهة ليست في صيامها، وإنما في وَصْلِها بشوال .
قال الإمام مالك في الموطأ: ( إني لم أرَ أحدا مِن أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأنْ يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة)
وقال الحافظ أبو الوليد الباجي: ( إنَّ صوم هذه الستة الأيام بعد الفطر لم تكن من الأيام التي كان السلف يتعمدون صومها، وقد كره ذلك مالك وغيرُه من العلماء، وقد أباحه جماعة من الناس ولم يرَوا به بأسا، وإنما كره ذلك مالكٌ لما خاف من إلحاق عوام الناس ذلك برمضان، وأنْ لا يُـميِّزوا بينها وبينه، حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضا، والأصل في صيام هذه الأيام الستة ما رواه سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر. وسعد بن سعيد هذا ممن لا يحتمل الانفراد بمثل هذا، فلما ورد الحديث على مثل هذا، ووجد مالكٌ علماءَ المدينة منكرين العمل بهذا، احتاط بتَرْكِه، لئلا يكون سببا لما قاله)
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم شرح صحيح مسلم: (الذي كرهه هو وأهلُ العلم الذين أشار إليهم، إنَّما هو أنْ تُوْصَل تلك الأيام الستة بيوم الفطر، لئلا يظن أهل الجهالة والجفاء أنها بقيَّةٌ مِن صوم رمضان، وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيَبْعُدُ التَّوهُّم، وينقطع ذلك التخيُّل) وقد وقع ذلك قديما وحديثاً مِن العوام، حتى أنَّ بعضهم يُسمِّي ثامن يومٍ مِن شوال: “عيدُ الأبرار” ويُؤكِّد النَّهيَ عن وَصْلها برمضان أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا ) والنهي معلَّلٌ بألا يختلط بصوم رمضان .